محمد بن علي الشوكاني
370
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
سواء وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم ، وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم ، فأولئك كانت آلهتهم من الحجز ، وغيرهم اتخذها من البشر . قال الله حاكيا عن أسلاف هؤلاء [ 44 ] : } والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار { ( 1 ) . وهكذا حال من اتخذ من دون الله وليا يزعم أنه يقربه إلى الله تعالى . وما أعز من تخلص من هذا بل ما أعز من لا يعادي من أنكره ! والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين أن آلهتهم تشفع لهم عند الله ، وهذا عين الشرك . وقد أنكر الله ذلك في كتابه ، وأبطله . وأخبر أن الشفاعة كلها له . ثم ذكر الآية التي بسورة سبأ ( 2 ) ، وهي قوله تعالى : } قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض { . وتكلم ( 3 ) عليها ثم قال ( 4 ) : والقرآن مملوء من أمثالها ، ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته ، ويظنه في قوم قد خلوا ولم يعقبوا وارثا ، وهذا هو الذي يحول بين القلب وفهم القرآن كما قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : إنما تنقض عرى الإسلام عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية ، وهذا لأنه إذا يعرف الشرك وما عابه القرآن وذمه ، وقع فيه وأقره ، ودعا إليه وصوبه وحسنه ، وهو لا
--> ( 1 ) [ الزمر : 3 ] . ( 2 ) ( وما لهم فيهما من شرك وما لهم منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ) [ سبأ : 22 - 23 ] . ( 3 ) في كتابه " مدارج السالكين " ( 1 / 383 ) . فقال : فنفى - سبحانه - المراتب الأربع نفيا مرتبا من الأعلى إلى ما دونه ، فنفى الملك ، والشركة ، والمظاهرة والشفاعة التي يظنها المشرك ، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك ، وهي الشفاعة بإذنه . فكفى بهذه الآية نورا ، وبرهانا ونجاة وتجريدا للتوحيد وقطعا لأصول الشرك ومواده لمن عقلها . ( 4 ) ابن القيم في مدارج السالكين ( 1 / 383 ) .